عبد الوهاب الشعراني
23
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
شريعتهم عند خصمهم ، وقولهم : إنا وجدنا آباءنا على ذلك . لا يكفي ، وماذا يضر الفقيه أن يكون محدثا يعرف أدلة كل باب من أبواب الفقه . ومنها تجديد الصلاة والتسليم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في كل حديث ، وكذلك تجديد الترضي والترحم على الصحابة والتابعين من الرواة إلى وقتنا هذا . ومنها وهو أعظمها فائدة الفوز بدعائه صلى اللّه عليه وسلم لمن بلغ كلامه إلى أمته في قوله : « نضّر اللّه امرأ سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها » . ودعاؤه صلى اللّه عليه وسلم مقبول بلا شك إلا ما استثنى كعدم إجابته صلى اللّه عليه وسلم في أن اللّه تعالى لا يجعل بأس أمته فيما بينهم ، كما ورد . وقوله : فأداها كما سمعها ، يفهم أن ذلك الدعاء إنما هو خاص بمن أدى كلامه صلى اللّه عليه وسلم كما سمعه حرفا بحرف بخلاف من يؤديه بالمعنى ، فربما لا يصيبه من ذلك الدعاء شيء ، ومن هنا كره بعضهم نقل الحديث بالمعنى وبعضهم حرمه : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى أبو داود والترمذي وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « نضّر اللّه امرأ » وفي رواية ابن حبان : « رحم اللّه امرأ سمع منّا شيئا فبلّغه كما سمعه ، فربّ مبلّغ أوعى من سامع » . ومعنى نضر اللّه : الدعاء بالنضارة ، وهي النعمة والبهجة والحسن ، تقديره جمله اللّه وزينه بالأخلاق الحسنة والأعمال المرضية ، وقيل غير ذلك . وفي رواية للطبراني مرفوعا : « فربّ حامل فقه ليس بفقيه ، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه » . وفي رواية له أيضا مرفوعا : « اللّهمّ ارفع خلفائي قالوا يا رسول اللّه وما خلفاؤك ؟ قال : الّذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي ويعلّمونها النّاس » . قال الحافظ عبد العظيم رحمه اللّه : وناسخ العلم النافع له أجره ، وأجر من قرأه أو نسخه أو عمل به من بعده ما بقي خطه والعمل به لحديث مسلم مرفوعا : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلّا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به » الحديث . قال : وأما ناسخ غير العلم النافع مما يوجب الإثم عليه فعليه وزره ووزر من قرأه أو نسخه أو عمل به من بعده ما بقي خطه ، والعمل به كما يشهد له حديث : « ومن سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها » . وذلك كعلوم السحر والبراهمة وعلم جابر المبدل ونحوها ، مما يضر صاحبه في الدنيا والآخرة . وروى الطبراني وغيره مرفوعا : « من صلّى عليّ في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب » واللّه أعلم . [ ملازمة العلماء : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نخلي نفوسنا من مجالسة العلماء ولو كنا علماء ، فربما أعطاهم اللّه من العلم ما لم يعطنا ، وهذا العهد يخل بالعمل به كثير من الفقهاء والصوفية ، فيدعون أن عندهم من العلم ما عند جميع الناس ، بل سمعت